الإثنين

1444-07-15

|

2023-2-6

الرسالة المحمدية رسالةُ خاتمةُ وناسخةُ لما قبلها

الحلقة: الأربعون

بقلم الدكتور علي محمد الصلابي

ذو الحجة 1441 ه/ يوليو 2020


إنّ رسالة محمد صلى الله عليه وسلم قد جاءت لتكون خاتمةَ الرسالات السماوية ، وإنّ محمداً خاتم النبيين والمرسلين ، فلا نبيَّ بعده ، ولا شريعة سماوية تأتي بعده ، والاعتقاد بذلك أصلٌ من أصول الدين ، يَكْفُرُ منكره ، ويخرج عن دائرة الإسلام جاحده ، وقد نصّ القران على ذلك ، وكذلك السنة الصحيحة ، وأجمع على ذلك المسلمون سلفاً وخلفاً.
قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الاحزاب : 40].
فهذه الاية نصٌّ في أنّه لا نبيَّ بعده صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان لا نبيَّ بعده فلا رسول بطريقِ الأولى والأحرى ، لأنَّ مقام الرسالة أخصُّ من مقام النبوة ، فإنّ كلّ رسولٍ نبيٌّ ولا ينعكس.
فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم ختمَ النبوة فطُبِعَ عليها ، فلا تفتح لأحدٍ بعده، فقد انقطع إنباء الله للناس.
وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3] ، فالاية تؤكّد أنّ الأمة لم تعدْ تحتاجُ إلى نبيٍّ يُكْمِلُ لها دينَها ، أو يتمّ عليها نعمةَ ربها ، لأنّ الله سبحانه وتعالى أكمل الدين على يد رسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم رضيه لها ، لأنّ الله سبحانه وتعالى قد أكملَ الدين على يدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم رضيه له ولأمته ديناً يعبدون الله به إلى يوم القيامة.
وقد أعلن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنّ رسالتَه خاتمةُ الرسالات ، وأنّه عليه الصلاة والسلام خاتمَ النبيين في أحاديث نبوية كثيرة ، منها:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «مثلي ومثل الأنبياء قبلي ، كمثلِ رجلٍ بنى بيتاً ، فأحسنه وأجمله ، إلاّ موضعَ لبنةٍ من زاويةٍ ، فجعل الناسُ يطوفون ، ويعجبون ، ويقولون: هلاّ وُضِعَتْ هذه اللبنةُ؟» قال: «أنّا اللبنةُ وأنا خاتمُ النبيين».
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحمٍ ، فرفع إليه الذراعَ ـ وكانت تُعْجِبُه ـ فَنهَسَ منها نُهيسةً ، ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة ، وهل تدرون ممّا ذلك؟» ثم ذكر صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، وما يحدثُ فيه من استشفاع الناس بالأنبياء للحساب ، حتى يصلوا إليه صلى الله عليه وسلم ، فذكر صلى الله عليه وسلم أنّهم يقولون: «أنتَ رسول الله ، وخاتمُ الأنبياءِ ، وقد غفرَ لك ما تقدّمَ من ذنبكَ وما تأخّرَ ، تشفّع لنا إلى ربك».
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت بنو إسرائيل تسوسُهم الأنبياء ، كلّما هلكَ نبيٌّ خلفَه نبيٌّ ، وإنّه لا نبيَّ بعدي ، وسيكونُ خلفاء فيكثرون».

وقد وردت أحاديثُ متعددةٌ متنوعةٌ ، جميعُها أكّدت على مدلولٍ واحدٍ ، هو انقطاع الوحي بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وختم النبوة به ، وقد بلغ بعضُ هذه الأحاديث حدَّ التواتر ، كما أنَّها في جملتها متواترة تواتراً قطعياً.
فرسالته صلى الله عليه وسلم هي الخاتمة الناسخةُ لما قبلها ، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [المائدة : 48] ، فهو مصدَّقٌ بها في العقيدة ، فالكتبُ كلها تقول: إنه لا إله إلا الله وحده بلا شريك ، والقران يقول الشيء نفسه ، والكتب كلها تقول: . والقران يدعو الدعوة {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *} ، ولكنّ القرانَ مهيمنٌ على ما بين يديه من الكتب في شأن التشريع ، فهو يحمِلُ النسخة الأخيرة المنزلة من عند الله ، وشرعُه هو الشرعُ الواجبُ الطاعة ، ومن ثَمَّ فهو ينسخُ كلَّ ما أتى قبله ، مخالفاً له ، وعلى هذا المعنى تفهم أيضاً هذه الاية: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [المائدة : 68].
فهم مطالبون بإقامة التوراة والإنجيل في أمر عبادة الله الواحد بلا شريك ردّاً على قول اليهود: عزيز ابن الله ، وقول النصارى: المسيح ابن الله.
وفي الأمر بالاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل باسمه بإقامة ما أنزل إليهم من ربهم ـ أي القران ـ عقيدة وشريعة ، وإلاَّ فهم ليسوا على شيءٍ كما تصفهم الاية ، أي ليسوا على دين صحيح يقبله الله منهم.
إنّ القران الكريم يدعو الناس كافةً إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته ، واتّباع شريعته ، بما في ذلك أهل الكتاب ، كقوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ *يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *} [المائدة : 15 ـ 16].
ففي هذه الايات تصريحٌ بأنّ الشرائع السابقة قد نُسِختْ برسالةِ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأنّ الهداية والنجاح منحصِرٌ في طاعته صلى الله عليه وسلم ، واتّباع شريعته، فرسالة محمد صلى الله عليه وسلم جمع اللهُ فيها محاسنَ ما قبلها من الرسالات ، وزادها من الكمالات ما ليس في غيرها ، فلهذا جعلها الله شاهدةً وأمينةً وحاكمةً على الرسالات كلها ، وخاتمةً لها وناسخة.


يمكنكم تحميل -سلسلة أركان الإيمان- كتاب:
الإيمان بالرسل والرسالات
من الموقع الرسمي للدكتور علي الصَّلابي

http://alsallabi.com/uploads/file/doc/Book94(1).pdf


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022